fbpx

الفن عند “بي” أكثر جدوى من الكلام

الفن هو الجانب الذي ينافس القبح في الوجود، الفن “هو طريقة للنجاة”، لا مناص من حقيقة أن للفن كلمته في جعل هذا العالم مكان أكثر نضارة، لكي يظهر الفن بصورة لائقة فهذا يحتاج من الفنان الكثير من العمل المضني، لا أعلم كم من الليالي التي سهرتها يا محمد بي حتى تعبر عن امتعاضك من الحياة بكل هذا الجمال، بكل هذا الخيال الذي يرتدي عباءة الواقع، نعلم أن ليس جميعنا ندرك حجم الفن وتاريخه العريق، ولكن أغلب مِن مَنْ يشاهدون أعمالك يعرفون على أقل التقدير أنك تسير في الطريق الصحيح. الاستمرار في الفشل لا يعني بحد ذاته أنك فاشل، لأن الفشل المتواصل هو ما يوصلك إلى تذوق طعم النجاح. الفن في بنغازي يعاني حقا، الذائقة العامة رديئة إلى حد لايمكن وصفها، لأننا لا نأخذ دور الفن على محمل الجد، بل دائماً ما نعتبره شيئاً جانبياً نلجأ إليه أحياناً لتزجية أوقات فراغنا، لكن لا أنكر بأن الفن بوجه عام في تصاعد ملحوظ، لأن بصعود جودة الفن في ليبيا وبنغازي تحديداً فهذا يعني صعود بالذائقة العامة. محمد الملقب ” بي “مازال في ريعان شبابه، وهو من مواليد سنة 1994، من سكان مدينة بنغازي، المدينة التي يمكن أن تفاجئك في أية لحظة، يعتبر بي  أحد رسامي الفنون الرقمية, من الواضح أنه يحب في أغلب الأوقات أن يغدو وحيداً، ليس لأنه لا يملك أصدقاء بل لأنه يعرف جيداً أن “الفن هو الطريقة الوحيدة للهروب دون الحاجة للخروج من باب منزلك”، ولا حتى من باب غرفتك الصغيرة، لكن حتى وهو موجود بين أصدقائه، فهو لا يفضل الحديث كثيرا عن ما يتخيله وما يشعر به، أو عن ما إذا كان مستاءاً من أمر ما أو معجب بفتاة ما، ربما لو أمعنّ النظر قليلاً سنجد أن بي يفصح عن نفسه وخفاياها في لوحاته و هو يقول بشكل سري ” ليس لي الحاجة إلى الحديث ما دام هناك ما هو أقل إيلاما من الحديث“، لأن في اللحظة التي ترغب فيها لمعرفة من هو بي، وكيف هي مخيلته، أو رغبته الملحة للعزلة، فأعماله ستتحدث لك نيابة عنه، لأن كما قالت نادين غورديمير: ”قد لا توجد أي طريقة أخرى لفهم الإنسان إلا عن طريق الفن”، لكن لو أمعنا أيضا النظر سنجد أن بي يجسد شخصية الفنان بكل ما يحمل من إنطوائية وغرابة قد تبدو مبهجة في نظر الأغلب، لأنها تصدر منه على نحو عفوي وغير إرادي، عندما ترى انسان يبني بين ذاته وبين لوحاته جسراً يربط أحدهما بالآخر، عندما تراه يفصح عن حزنه وابْتئاسه من المجتمع بالإبداع، لا بحرق الإطارات، ولا بإفتعال شجار في الصباح الباكر، فهذا يعني أن كل  ما يريده هو ليس تخريب صورة الحياة اليومية، بل ترميمها بإضفاء روح الفن عليها، لأن الفنان هو أكثر البشر إنسانية ورهافة من بين الجميع، ومن واجبه أن يدافع عنها، لهذا عبر بيكاسو عن اسفه الشديد عن ما حدث لقرية غارنيكا بلوحة، وعبر غويا عن التعسف الذي لحق بالشعب الأسباني من الاستعمار الفرنسي ومن نابليون بلوحات، وكأن” ما لم يستطع الفنان تغييره في الواقع يحاول إنجازه في لوحة”، بإعتبار أن اللوحة مساحة بيضاء يستطيع الفنان الحقيقي من شأنه أن يخط فيها ما يشاء، نافياً خوفه وحذره من كل شيء، لهذا دائما ما أرى أنك تحاول أن ترسم شيئاً لا يمكن أن يقال دفعة واحدة، وأنت في جلسة خفيفة تقضيها مع الأصدقاء، ربما يمكن كتابته، بإعتبار أن الكتابة هي أيضا مساحة شاسعة يمكن أن تتشكل فيها أو تكتب فيها ما تشاء، لهذا أنا أكتب عنك الآن أشياءاً قد لا يمكن قولها، فقط يمكن كتابتها أو عزفها، أو رسمها.

مجموعة أعمال محمد بي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Copyrighted Image