fbpx

ألوان شيطانية ومقدسة

اللون يحضى بالكثير من الإهتمام وعلى مر العصور لم تكن نظرة الإنسان للون هي ذاتها دوماً، بل دائما ما يطرأ عليها التبديل و التغيير. في عام 1994 صدر كتاب بعنوان ” ألوان شيطانية ومقدسة ” للمؤرخ والكاتب الهولندي هيرمان بلاي، الذي يتناول فيه موضوعة الألوان ودلالاتهن في العصور الوسطى “ليس اللون مادة من المواد لكنه خاصية يكتشفها الضوء لنا” هكذا تم النظر إلى اللون -كما ذكر هيرمان- إعتباراً من “القرن السابع عشر بعد قيام العالم إسحاق نيوتن بتحليل شعاع الضوء الأبيض إلى مكوناته الأولية مستعيناً في ذلك بأحد المناشير ما أسفر عما نعرفه اليوم ” ألوان الطيف السبعة”، ما ينتج عن ذلك أن لا لون بدون ضوء

.” لكن قبل ذلك وفي الوقت الذي ساد فيه الإعتقاد في العصور الوسطى “بأن اللون مادة والضوء الصادر عن الأشياء يجعلها قابلة للرؤية”؛ كان” فنسنت بوفيه قد أضاف بعداً جديداً إلى فكرة اللون، واقتراحه بوجود ثنائية تضم في الوقت معاً اللون كخاصية كامنة في الأشياء وفي الوقت ذاته كجزء من الضوء المنير لها”.لم يكن هيرمان في هذا الكتاب يود توضيح أن الألوان ظاهرة ثقافية فقط، بل أنها لعبت “دوراً محوريا في العصور الوسطى” بسبب هوس الناس بها، وهذا ما جعلها موضوعاً للنقاش.

“تساءل بعضهم هل الألوان جزء من جوهر الأشياء، أم أنها مجرد أقنعة زائفة تخفي وراءها الحقيقة وتطمس أصل الوجود وإبداع الخالق ؟”، في العصور الوسطى كانت فئة من الناس تعتقد أن الألوان هي خدعة الشيطان المفضلة لديه “لتضليل البشرية التي تسعى للوصول إلى طريق الخلاص المحفوف بالشدائد؟ وكان أنصار هذه النظرية ينظرون إلى الألوان بعين الريبة، بل يعتقدون في ارتباط الألوان بالخطيئة الأولى سقوط الإنسان من الجنة واستقراره في عالم الزوال والماديات”، و أنها ” ليست دلالة على إبداع الخالق”، بل على النقيض من ذلك، فهم يرون أن كل ماهو ملون يُعد زيفاً ووسيلة للشيطان لإغواء الناس بها “وإغراقهم في الملذات الآنية التي تبعدهم عن عالم الخلود، وكما قال كليرفو” الألوان تسبب لنا العمى” وتحولت هذه الكلمات إلى شعار في القرون اللاحقة”.

 “انتشرت مذاهب عبادة الألوان في العصور الوسطى، والمؤمنون بهذه المذاهب يعتقدون أن الألوان هي نتاج للضوء الإلهي المقدس الذي منح الحياة كينونتها المادية، حيث إن نشأت الخليقة اقتضت من الرب أن يفيض بنوره على الأرض”، وأن الألوان ” ليست إلا تجليا من تجليات السر الإلهي وتنحصر براعة الإنسان في تفسيرذلك على نحو صحيح ليس أكثر، وإنما يبلغ الضوء واللون كلاهما ذروة النقاء والتجليّ عندما يجتمعان معاً في النوافذ الزجاجية الملّونة للكنائس والكاتدرائيات، فما أن يخترق الضوء الزجاج الملون حتى يدفع الألوان إلى التفجر والتشعشع في كافة أرجاء الكنيسة، كما وصف هوغو سانت فيكتور عندما قال : ” هل يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر جمالاً من الضوء، الذي هو ذاته لا لون له رغم ذلك يهب وبغاية الصفاء اللون لسائر الأشياء”.وبسبب قداسة الألوان وقدرتها الإلهية على التعبير ارتبطت بعض الألوان بطبقات إجتماعية معينة، كما أن ارتدى الناس الملابس الملونة من أجل التعبير عما يجيش في نفوسهم من مشاعر سواء كانوا في حفل أو في جنازة أو عقد قران وأدى الإفراط في ارتداء الملابس الملونة إلى خلخلة النظام الإجتماعي، لأنها أثارت الغيرة بين الأوساط الفقيرة التي تمقت الألون لأنها تشعرها بمكانتها المتدنية في المجتمع” ما أثار غضب الفئة المعادية للألوان”.

هذا الجدل يدفعنا إلى ملاحظة أن الألوان لها دلالات ومعاني أخذت على محمل واسع، فكان اللون الأزرق قد تنامت شعبيته باعتباره “لوناً سماوياً وربانياً ومقدسأ”،في حين أن معاني الألوان تختلف من عصر لآخر، ومن فئة لأخرى، فهي تتبدل بحسب الثقافة والبيئة والفكر، فالأزرق “كان يرمز للطبقة الإرستقراطية التي تسكن المدن”، كما أنه يشير أيضا في بعض الأعمال الأدبية في العصور الوسطى إلى الثبات على المبدأ، إلى الصائنات للعهد وإلى رمز العدالة والإيمان الراسخ، بالإضافة لنظرتهم إلى ” المرأة ذات العيون الزرقاء أنها ليست سوى مرأة خليعة ولعوبة وداعرة وتعشق الجنس والشهوة، بينما كانوا ينظرون إلى الرجال عيون الزرق على أنهم من المخنثين. الأزرق نال القسط الأوفر من الدلالات والإيحاءات السلبية، فقد يعرف الهولنديون زوجاً من التعبيرات تتعلق بسوء المعاملة والإستغلال (شخص أزرق)، أو الإنسان (ذو الملامح الزرقاء) وتستخدم هذه التعبيرات دون تمييز إلى العاشقين العاجزيين جنسياً”، بينما لا ننسى “الشيطان الأزرق الذي يبلغ ذروة التخويف والإفزاع في لوحات هيرونيهوس، ولا ننسى أن لون الأزرق في نظر المزعومين بكراهيته هو لون الأموات والجحيم في بدايات عصور الوسطى.”

 أما الأصفر فهو ” لون الأسى والجوع والموت، وضياع الطمأنينة ونذير بوقوع الكوارث والنكبات، لعل اللون الأصفر قد اكتسب إيحاءاته السلبية من واقع أنه لون ملابس الغرباء من اليهود والمسلمين والذين كانوا دوما محل الإتهام بالخيانة وعدم الولاء”، إن إدانة ” اللون الأصفر بأقبح الألفاظ باعتباره لايناسب ثياب النساء، وقد ساعد في ذلك وجود بديل مقبول ومرغوب فيه ألا وهو الذهب.كان الذهب ذا حظوة ومميز في كونه يمثل ضوء الشمس” ويشير إلى كمال ومثالية الإله وذوقه وقدرته، كما أنه يشير إلى الجمال و حب يصل إلى حد الكمال، لقد كان الأصفر “الجانب السلبي في تصنيف هذا اللون، لأنه اللون الذي استعمل في الأدب العصور الوسطى ليجسد القبح وفقدان الثقة والخيانة. أما في علم الفراسة فتم الجزم أنه لو كانت هناك تلك العيون البنية اللون بحدقات تحوطها الصفرة، فإن صاحبها ليس إلا قاتلا أثيماً.” أما إذا “امتزج الأخضر والأصفر في شخص واحد فهو دليل على البلاهة والحمق وبرهان الجنون” . ويبلغ الأسوأ إن أجتمع “الأصفر والأحمر في شيء واحد فسرعان ما تنشط قوى الشر لذا فإن الناتج اللون البرتقال الذي يعتقد الناس أنه لون لا مثيل له في السوء.لقد كان الناس ينظرون إلى ذوي الشعر الأحمر أو البرتقالي بوصفهم أشراراً لا صلاح لهم مطلقاً. وكان المثل يضرب بيهودا ذي الشعر الأحمر الذي خان المسيح بمقابل عدد من الدراهم.وكل هذه التضمينات السلبية المتعلقة بحمرة الرأس جعلت رينارد، الثعلب ذي الشعر الأحمر الحيوان الأبشع سمعة في الأدب العصور الوسطى”.

يعد اللون الأحمر لون الحرب، لون الدماء والشر، الدماء التي هي في وقت ما كانت التذكير لمدى تضحيات المسيح من أجل الناس، والتفاحة الحمراء الخبيثة في حكاية سنووايت. كما أنه وصل الأمر “إلى حد تصوير الشيطان ذاته بلون كمخلوق أحمر اللون أو أحمر الرأس”.ومع ذلك فإن للأحمر دلالات ومعاني تشير إلى العاطفة الجياشة، كما أكد توما الأكويني بأنه لون الحب، وكذلك في بعض الأعمال الأدبية في العصور الوسطى جُسّد على أنه لون العشيقات، ولون الفرح.

بعد أن خلخلت الألوان النظام الإجتماعي وبعد أن تعالت أصوات رجال الكهنوت المعادين للألوان، صار الأسود مع الأزرق ذات شعبية متنامية لأنه” وسيلة للتعبير عن نكران الذات والزهد في الدنيا والحزن والتواضع والذل المتناهي”. فبات الرهبان يرتدون الرداء الأسود اللون فهو لون الزهد والتوبة وكبح جماح النفس، ويرتبط “بالتزام الصمت الوقور”، وذلك بعد أن شهدت أوروبا انتشار وباء الطاعون الرهيب، “الذي لم يكن سوى علامة على غضب الرب، فخلق بدوره أجواء من التوبة والإذعان.ومع نهاية العصور الوسطى دأب الأمراء في ارتداء الملابس ذات اللونين الأزرق والأسود، لذا هو الآخر يرمز للطبقة الأرستقراطية، وظلت ملابس السهرة سوداء ومقتصرة على الأغنياء ومن يتولون تسلية الناس والترفيه عنهم”.كما أن القصائد في تلك الفترة وصفت أن العاشق الذي يرتدي عباءة سوداء هو عاشق عاثر الحظ وتعيس الطالع.بينما يدل نقيض الأسود ألا وهو الأبيض على ما هو نقي وطاهر، أنه لون الإيمان والعفة والحكمة، ورمز الإخلاص في الحب، إن البياض في كل العصور يدل على الطيبة،و المحافظة على الإحساس بالآخر. وعلى عكس ما نتوقع “

كان اللون الأخضر أكثر الألوان عرضة للتشويش ولأنه لون الأرض والطبيعة على الخصوص أصبح مثار الإتهام من قديم الزمان.إن الصيرورة الدائبة والواضحة للطبيعة عما تتجلى في تغيير الفصول تعني أن كل ماهو أخضر يحمل في ذاته خاصية الزوال ولايمكن التعويل عليه أو الوثوق فيه، ويحمل في ذاته إضافة إلى ذلك خاصية تقلب الحظوظ والأقدار اللذان يجلبان عشوائياً الخير والشر، وهذا هو السبب في كون الطاولات القمار خضراء منذ العصور الوسطى وإلى يومنا هذا، سيّان كانت للعب الورق أم للمقامرة أو للبلياردو. ويعني ذلك بلا مواربة أن العائد وراء المقامرة على سطوح تلك الطاولات أمر مشكوك فيه بلا مراء”.بالإضافة إلى ما سبق ذكره في طيات حديثنا عن الألوان “فإن الأخضر هو أول ألوان الخلق كما ورد ذكره في سفر التكوين، من هنا أصبح اللون الأخضر يعني فيما يعنيه الأمل والنقاء والحب العذري بل وحتى التفاؤل.ولقد أكتشف الدارسون في عصر هيدلغارد أن السطوح الخضراء مريحة للنظر، ولا يزال هذا التأثير محل إعتراف إلى يومنا.ولايفوت أن يتحدث الشاعر يوهان غوته عن تأثير الأخضر فيقول نحن ننظر برضا وامتنان إلى الخضرة البريئة في مرج مجذوذ الأعشاب بالأمس القريب حتى إن كان ماتبقى منها ليس إلا رقعة خالية تافهة ولايؤبه لها.” وبالرغم من ذلك “فقد وصلت الدلالات السلبية للون الأخضر فعلها وتأثيرها.فثمة العديد من الكتّاب العصور الوسطى ممن رأوا أن وفرة الخضرة والإخضرار في جنة عدن أمر ولابد أنه يثير الملل والسأم. كما أن المعاداة للون الأخضر قد تولدت لدى الفنان موندريان والذي رفض استخدامه في مراحل مسيرته الفنية الطويلة وقد أمعن في رفضه إلى حد تحاشيه النظر من النوافذ لئلا يقع مالا يحمد عقباه. بمقدرونا أن نلمس آثار معاداة اللون الأخضر في أعمال فاسيلي كاندسكي الذي يرى أن اللون الأخضر رصين وزائف كالطبقة البرجوازية.”  حقيقة الأمر أنه من قديم الزمان “إرتبط اللون الأخضر في أذهان الناس بالعلاقة الإنسانية الأكثر أولية، إن الطابع الأرضي والرعوي للأخضر يفسر لنا الحاجة المتوارثة عند البشر للنأي بأنفسهم عن الطبيعة، وفي الوقت ذاته لتقديسها وإبداء الإحترام لها، ويتجلى هذا المسلك في أعلى صوره ف عبادة الطبيعة والخالق معاً”.

إن كتاب ألوان شيطانية ومقدسة هو دفعة غير مسبوقة لفهم ومواكبة تاريخ الألوان والدلالات التي تنطوي عليها، هو البرهان على أن الألوان قبل العصور الوسطى مملة ورتيبة وتبعث في الإنسان شعور الملل والكآبة وأن لجوء الإنسان الملفت للألوان الصارخة ماهو إلا إشارة على يأس الإنسان في ذاك العصر، أنه عصر الحروب والأوبئة والبحث عن النور، كما أنه دعوة إلى تفادي حذرنا إتجاه الألوان الصارخة في عصرنا الحالي، العصر الذي على الفنان فيه و المتذوق أن لا يكبح جماح حبه للألوان وحب فهمها، لأن بدون اللون كيف بوسع الإنسان أن يحب شيء ما ويتخيله، أو أن يعوّض نقص الحياة والأشياء اللذان ليس في مقدور الإنسان تعويضهما، وهكذا تظل الألوان -كما قال هيرمان-محاولة للتحايل على حياة لا يجني فيها الإنسان سوى الشقاء والألم.

وائل عقيلة –

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Copyrighted Image