fbpx

المدرسة الانطباعية

في أواسط القرن التاسع عشر تحكمت الأساليب الأكاديمية في معايير الفن الأوروبي، تلك الأساليب المتأثرة بالمدارس الكلاسيكية كانت تركز على التفاصيل الدقيقة والمنظور الجمالي وتعتمد في لوحاتها على مواضيع تاريخية وميثولوجية  تجسد قصص شاعرية وبطولية تعطي المتعة والإلهام والإحساس بعظمة وهيمنة الفن للمتفرجين، هذا ما جعل باريس النقطة الأهم في أوروبا لعشاق الفن وحلم كل الفنانين، وبالتالي فرضت العديد من القيود لعرض الأعمال الفنية في صالونات باريس.

غوستاف كوربيه أحد أهم رواد الحركة الواقعية لم يؤمن بتلك القيود، إذ كان كوربيه إنسانا فوضويا وقد رآي بأن الفن في عصره أغلق عينيه عن حقائق الحياة، كان الفرنسيون يحكمون من قبل نظام قمعي، فرض قيوده على الفن فبدل تجسيد الفقر والمعاناة التي يمر بها الشعب ركز الفنانون على رسم المناظر المثالية وإظهار الجانب الجميل من المجتمع كرد فعل قام كوربيه بإقامة معرض لأعماله في باريس 1855 يتسم بالجرأة لنقل الواقع المرير كما هو، مما أدى لظهور فنانين مستقبليين يحملون فكره الثوري من شأنهم تغيير الوضع الراهن في المشهد الفني.

إدوارد مونيه أحد تلك الاسماء المتاثرة بأفكاره الثورية، بالرغم من تعلمه على يد بعض أهم رواد المدارس التقليدية، إلا انه بدأ في تكوين أسلوبه الخاص كما قام بتجسيد صور من حياة العامة، لوحات تعكس الطابع اليومي لرواد المقاهي والحدائق، لم يحاول تحسين الواقع أو رؤية الأمور من منظور مثالي إنما قام بنقل الأمور كما يراها، سرعان ما جذب أسلوبه المناهض للأساليب التقليدية العديد من الفنانين المتطلعين لإيجاد إحتمالات جديدة أمثال سيزان وبيسارو وويسلر قاموا بإنتاج العديد من الأعمال الحديثة لكنها لم تعتبر أعمالا فنية.

فرض النقاد العديد من القوانين على الأسلوب والمضمون من أجل الموافقة على عرض العمل الفني، مع فرض هذه القيود مُنع العديد من الفنانين من عرض أعمالهم، بوصفها تفتقر للحس الفني أو أنها تجسد أفكارا مخلة بالمجتمع، هذا ما أدى لحراك ضخم للمطالبة بإنشاء صالونات تقبل بعرض أعمالهم المرفوضة وكان أولها صالون المرفوضات في “1863” الذي قام بعرض 780 عمل فني. في هذا الصالون عرضت العديد من أعمال الفنانين الذين لم تقبل صالونات باريس عرض لوحاتهم بوصفها بشعة أو تفتقر للحس الفني،وأحدى أشهر تلك الأعمال هي لوحة هو إدوارد مونيه  “the absinthe drinker”  التي رفض النقاد عرضها بوصفها لا تناسب الأخلاق العامة ، كما رفضوا لوحة ” Music in the Tuileries  ”  التي رسمت في 1862 والتي تعتبر أول لوحة حديثة حرفيا للقرن التاسع عشر حيث تجسد مظاهر الحياة اليومية الحديثة وكان يقول إدوارد،” أنا أرسم ما أراه ، ليس ما يريد الآخرون أن يروه” هذه اللوحات تم عرضها في صالون المرفوضات الذي سمح نابليون الثالث بإقامته. أفتتح الصالون أبوابه في 11 مايو 1863 وحضر حوالي 7000 متفرج من ضمنهم النقاد الذين أتوا للسخرية من هذه الأعمال، لاقت الأعمال المعروضة إعجاب العديد من العامة إذ وجدوا أنفسهم أمام أجناس جديدة من الفن. زعزع صالون المرفوضات قوانين الصالونات الرسمية في عيون الفنانين والجمهور وقام بتحطيم القيود التي فرضت على الفن، لهذا يعتبر صالون المرفوضات نقطة تغيير مهمة حيث سمح للعديد من الفنانين بعرض أعمالهم ووفر الفرصة لظهور مدارس فنية حديثة وأهمها الإنطباعية.

يمكننا القول بأن الانطباعية هي أولى  الحركات الحديثة في تاريخ الفن، أنتشر تأثيرها في جميع أنحاء أوروبا بالاضافة لوصولها إلى امريكا، فهذه لحركة التي أسست من قبل فنانين أرادوا اتباع طرقهم الخاصة لتجسيد فنهم. سعت إلى تخليد المشهد بطابع حسي وعاطفي في لحظة عابرة وتوسيع الإحتمالات في الفن بتجسيد العالم كما يرونه وعدم التقيد بالتماثل والأفكار الطوباوية والمعايير الجمالية والبحث عن مواضيع جديدة لرسمها وعدم الإكتفاء بالمواضيع المعتادة. ركز الانطباعيون على تأثير الظل والضوء، تغير المناخ والبيئة في العامة في لوحاتهم، وكانت حركة الفرشاة لديهم عفوية وحرة و ألوانهم كثيفة ليعطوا انطباعا مشرقا ونقيا، فلم يعتمد فنهم على تجسيد أي منظور بشكل واقعي، إنما سعى لتخليد اللحظة كما يراها الفنان فالانطباعية ليست سوى الإحساس المباشر، إنها أساسا مسألة غريزة فقط.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Copyrighted Image