fbpx

جنون الفن

عند ذكر اسم فينسنت فان جوخ تراودنا العديد من الأسئلة، لماذا يضع توقيعه باسمه الأول فقط أو لا يقوم بالتوقيع مطلقا، لما هذا الفنان الهولندي الذي لم يتلقى تدريبا كافيا، الذي حاول مرارا وتكرارا أن يكوّن مسيرة ناجحة في العديد من المجالات ولكنه لقي الفشل في كل محاولاته، الذي عاش تحت عناية ونفقة أخيه الأصغر ثيو كما كان فاشلا في حياته العاطفية وفي النهاية قام بإنهاء حياته منتحرا، لماذا هو بهذه الأهمية في وقتنا الحالي. كان فان جوخ فنانا عبقريا قام برسم لوحات مذهلة تصف التجارب البشرية، الخير والشر المحيطان بنا، الجمال وحيوية الحياة وإشراقها، هذه اللوحات رسمت بطريقة يملؤها الشغف إذ يمكن للمتلقي أن يرى العالم من منظور آخر. ، لم يكن يرسم كثيرا فقط وإنما كان يكتب أيضا بنفس الحرارة والشغف حيث جمعت رسائله لأخيه في كتاب من ثلاثة مجلدات وتعد المجلدات الثلاثة من رسائله لأخيه تجسيدا مذهلا للعظمة التراجيدية لحياة هذا الفنان المتواضعة، نرى من خلالها الكينونة الحقيقية لهذا الفنان. ولد  عام 1853 في قرية زونديت بهولندا في أسرة من الطبقة المتوسطة، كان أباه قسا بروتستانتيا ووالدته ربة منزل. لم يبد عليه  أي ميول للرسم حتى سن السادسة عشر حيث عمل كتاجر لوحات فنية وبعد فشله قرر إتباع خطى والده كمبشر بين عمال المناجم ببلجيكا وهذه المرحلة تعتبر إحدى المراحل المهمة في حياته ويظهر تأثيرها في أولى أعماله “أكلوا البطاطا 1885” وما يليها،  انغمس تماما في الانطباعية وما بعد الانطباعية بعد وصوله لباريس إذ حاول استنساخ أسلوب الانطباعيين الأوائل كشكل الخطوط وحركة الفرشاة والتأثيرات اللونية ولكن النتيجة كانت بعيدة كل البعد عنهم ونتج عن ذلك أسلوب فان جوخ المميز وظهرت أعماله في تلك الفترة غنية جدا بالألوان، كما كان تأثير المدارس اليابانية في الرسم حاضرا في لوحاته. بحلول عام 1888 بدأت حالته العقلية في التدهور حيث قام بتهديد صديقه بالسكين وقام بقطع أذنه وقدمها كهدية لفتاة كان على علاقة بها، دخل فينسنت بعد هذه الأحداث المستشفى وكان واضحا أن حالته العقلية بعد خروجه منها ستحدد أسلوبه في الرسم فعدم الاستقرار العقلي لدىه وفر المصدر الأساسي للأداء العاطفي المتجسد في أعماله وأعطاها رنينا نفسيا أعمق، شهد عام 1889 حاله من النشاط الفني لديه وفي ذلك العام رسم أحد أهم أعماله “ليلة النجوم”. في عام 1890 انتقل بعد ذلك لقرية أوفرس سر واز الواقعة في إحدى ضواحي باريس حيث اشتد نشاطه لدرجة أنه كان يقوم برسم لوحه كل يوم وبالرغم من ذلك كان  لا يزال يعاني من انتكاسات متتالية فلا يكاد يخرج من المستشفى حتى يدخل إليه مره أخرى، في 27 يوليو أطلق على نفسه الرصاص، لم تكن الرصاصة قاتله ولكن تلوث جرحه أدى لموته بعد ذلك في 29 يوليو 1890 وقبل أيام من محاولة انتحاره رسم فان جوخ أخر أعماله “على أعتاب الخلود” والمعروفة أيضا باسم “عجوز ينوح” حيث رسم فان جوخ نفسه كهلا عجوزا ينوح. من الصعب فهم طبيعة فان جوخ النفسية التي أدت به إلى الانتحار ولكن يجب أخد العديد من رسائله لأخيه ثيو بعين الاعتبار حيث يقول في بعض رسائله “لن أعيش بدون حب” “كلما ازددنا خبرة في الحياة كلما ازددنا كهولة” “سيستمر الحزن للأبد” “أريد السفر إلى النجوم وهذا البائس جسدي يعيقني” “إذا كان بإمكاننا ركوب القطار إلى روان يمكننا ركوب الموت إلى النجوم ويمكنني القول أن شيء واحد صحيح بدون شك أنه لا يمكننا وصول النجوم ما دمنا أحياء” ومن خلال رسائله نرى كل الفوضى واليأس والجنون والموت، نرى سجلا كئيبا لا أمل فيه وتجلي لعالم بارد يسكن في داخل أحد عباقرة عصرنا، كما نصل لحقيقة أن المجد الذي حققه فان جوخ يكلله صراع روحي عظيم خلف من بعده جمالا وأعمالا خالدة لا تنسى. كان يعاني فينسنت من الفقر والمرض والفشل كثيرا ولم يذع صيته كفنان إلا بعد موته، وبالرغم من كل هذا فمن المستحيل الحديث عن الفن بدون ذكر اسم فان جوخ. عاش بطريقة الفنان المجنون وكان دائما محل دراسة للنقاد الفنيين والسيكولوجيين وغيرهم ممن حاولوا التوصل لفهم فلسفته وطريقه تفكيره من خلال أعماله وحياته، وعند السؤال عنه فالعديد يروا بأنه الأكثر شعبية على مر التاريخ واستخدامه للألوان كان الأكثر إذهالا، استطاع تحويل كل ما يحيط بنا إلى جمال مطلق. من السهل إتقان الرسم ولكن من الصعب ترجمة شغفنا وجنوننا وولعنا بالفن في لوحة وهذا ما كان يتقنه وربما لن يتمكن شخص ما من فعل هذا كما فعل مره أخرى،  فقد تمكن إلى الوصول بأن من الجوهري أن يكتشف وسيلة للتعبير عن الذات وكلما زاد إخلاصه وصدقه في البحث عن تلك الوسيلة كلما وصل إلى قوة الشكل ونقاء اللون وإلى الارتباط المتجدد بالحقيقة أي إلى كل المميزات التي تصنع غرابة فنه وحيويته. كما تدل الدراسات النقدية التي كتبت حول أعمال الفنان خلال السنوات التي تلت موته أن أعماله لم تكن مهملة أو مبهمة بل إنها كانت مرموقة وموضع اهتمام النقد الفني وأن غزارة الدراسات التي تناولت سيرة حياته ونتاجه الفني تعزز الفكرة الشائعة أن نهاية الفنان المأساوية كانت نتيجة عدم الفهم الذي تعرضت له أعماله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Copyrighted Image