fbpx

هل الفن موجود ؟

مر الفن بالعديد من التقلبات في تاريخه ولكنه وصل إلى أقصى حد للخصومة حول استقلال الفن وماهيته في العصر الرومانسي حين نودي بشعار الفن من أجل الفن والفن من أجل الحياة وترجع هذه الخصومة إلى حقيقة البحث في “هل الفن موجود أو غير موجود وإن كان موجودا فما هو ؟”، ترتبط كلمة فن في أبسط أشكالها بتلك الفنون التي نميزها بأنها تشكيلية ومرئية وكذلك فنون الأدب والموسيقى وبالرغم من وجود فرادة كل من هذه الفنون إلا أن هناك العديد من الخصائص المشتركة بين كل الفنون، فجميع الفنانين يحملون هذه الرغبة في الإمتاع ومن ثم يعرف الفن بأنه محاولة لخلق أشكال ممتعة تشبع إحساسنا بالجمال، ولا يحدث هذا الإشباع إلا عن طريق قدرتنا على تذوق الوحدة والتناغم بين مجموعة من العلاقات الشكلية بين الأشياء التي تدركها حواسنا بينما يؤدي الافتقار لمثل هذا التناسق إلى خلق شعور بعدم الارتياح أو اللامبالاة أو حتى عدم الرضا والنفور، فالإحساس بالتناسق الممتع هو الإحساس بالجمال. قد صاحب الفن الإنسان منذ وجوده على الأرض إلا أن فلسفة الفن والجمال لم توجد إلا مع نشأة الفلسفة، ففلسفة الجمال لا تنفصل عن الفلسفة إذ تستمد أصولها من مذاهب الفلسفة أو تنعكس على هذه المذاهب فتضيء جوانبها. بالرغم من هذا فإن الجمال ظاهرة متقلبة جدا. ظهرت على مسار التاريخ في وجوه لم تكن محددة على الإطلاق وكانت مخادعة على الدوام ولا بد للفن أن يتضمن كل هذه الوجوه مما جعل الفن طريقة لاستنطاق الذات والتعبير عن النفس أو المحيط بشكل بصري أو صوتي أو حركي، وترجع معظم مفاهيمنا الخاطئة عن الفن إلى الافتقار إلى الثبات في استخدام كلمتي الفن والجمال بل يمكننا القول بأننا نتفق على أن لا نتفق في تحديد هذين المفهومين فمهما كان تعريفنا للإحساس بالجمال فلابد لنا على الفور من أن نصفه بأنه تعريف نظري فان الإحساس المجرد بالجمال ليس الأساس للنشاط الفني وهذا ما يضعنا أمام اعتبار الفن بأنه تعبير لا أكثر ولا أقل، وهذا ما يمكن الإنسان من ترجمة الأحاسيس والصراعات التي تنتابه في ذاته وبهذا يمكننا القول أن الفنان هو الإنسان الذي وصل إلى التحرر من الاضطراب الداخلي فأبرزه إلى الخارج في صورة متناغمة أي وصل إلى الفن. إن الفنان يجد في هذه الصورة الرضا، حين يتمكن من التعبير عن انفعالاته الخاصة والقيم التي تبرز من خلال حياته اللاواعية تعبيرا كاملا، والفنان الأكثر عظمة هو الفنان الذي يتمتع بالذهن الأكثر اتساعا والقيم الفلسفية التي تبرز من خلال مستوى عبقريته وعمقها ومقدرته على ترجمة اللاوعي الخاص به بطريفة فنية فذة. هذا يجعل من الفن فعالية إنسانية واعية وحرة وعمل ممتع غير قابل للتطبيق والانجاز من خلال المعرفة فقط فهو يتطلب المهارة والموهبة،. قد كان الفن لدى الإغريق مقترنا بالجمال وكان اعتقادهم أن الخطيئة الوحيدة هي القبح، أما الآن يمكن للفن أن يخلو تماما من التنظيم الشكلي وهذا صنع من الفن رؤية أو حدس شخصي للفنان فلا يجب أن نعامل الأعمال الفنية كأشياء منفصلة فما هي إلا انعكاس سيكولوجي لروح الفنان لأن كل خطوة يقوم بها الفنان اكتسبت معناها الحقيقي من الحالة النفسية لصاحبها عندما قرر أن يخطوها. فمزاج الفنان واختياره لأدواته وأسلوبه تخضع بشكل كامل لنسيج الروح الخاصة به فالشخصية الفردية لعمل الفنان تعتمد على إرادة محدودة تسعى إلى التشكل تكون هي انعكاسا لشخصية الفنان وليس هناك فن ذو دلالة يخلو من أثر تلك الإرادة الخلاقة، وقد يبدو أن هذا سوف يوقعنا في تناقض معين فإذا لم يكن الفن نتاج الظروف المحيطة به و كان هو التعبير عن إرادة فردية فكيف يمكن لنا أن نفسر التشابه المدهش بين أعمال فنية تنتمي إلى مراحل متمايزة من التاريخ. لن ننكر العلاقة القائمة بين الفنان والمجتمع فالفنان يعتمد على المجتمع وهو يحصل على نغمته وإيقاعه وقوته من المجتمع الذي هو عضو فيه، فالعمل الفني بمعنى من المعاني هو تحرير لشخصية الفنان والمتفرج . حيث يقوم الفنان بإطلاق عنان ما بداخله من مشاعر ويقوم العمل الفني بدوره بمداعبة مشاعرنا المكبوتة فعند تأمل عمل فني نشعر بشيء من التنفيس عن مشاعرنا وليس فقط بإخراج ما فينا وإنما بإعطائنا شعورا بالعظمة والتسامي. وهذا ما يجعل المجتمعات التي ينتشر فيها الفن بإتقانٍ، ويتميّز أفرادها بأنهم فنانون أو متذوقون للفن، تعيش أعلى وأرقى عوامل التحضر الإنساني، الذي تنشده كل المجتمعات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Copyrighted Image